السيد الطباطبائي ( تعريب : جواد علي كسار )
57
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي
بينما هناك فئة ثانية تحمل مزية التفكير الاستدلالي فيكون لها تبعا لذلك نشاط خاص في درك المعطيات الفكرية العميقة والنظريات العلمية . وثمة مع الفئتين ثالثة تجد في نفسها - بغض النظر عن الفكر والعمل - انصرافا نفسيا خاصا عن عالم المادية المظلم وما يحفل به من لذائذ عابرة وجمال خادع ، وانجذابا مماثلا إلى عالم ما وراء المادة ، يبعث في نفسها شغفا خاصّا بالجمال الثابت غير المتناهي الذي لا يعدو جمال هذا العالم ان يكون بالنسبة إليه سوى مثالا ( نموذجا ) لذلك الجمال أو في الحقيقة تصورا عنه . افراد هذه الفئة يستطيعون ان يدركوا - بسهولة وبالاشراق الباطني - حقائق واسرار ذلك العالم . بالاستناد إلى هذا الاختلاف الواضح الذي نشهده بين الناس اعتمد الاسلام ثلاث طرق مختلفة للتعليم ، فتحدّث إلى كل فئة بلسانها . فكان نصيب الفئة الأولى التربية من خلال الظواهر الدينية ، والثانية عن طريق الاستدلال الحر ، فيما كان نصيب الثالثة هو التعليم عن طريق جهاد النفس وتصفية الباطن ، كما يشير المثال القرآني الذي تحويه الآية التالية - في خصوص تلقي بياناته - حيث يقول تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها « 1 » أما رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلّم ) فيقول : « نحن معاشر الأنبياء أمرنا ان نكلّم الناس على قدر عقولهم » . لقد اختار الاسلام أسلوب البيان السهل لتلك الفئة من اتباعه التي تفتقد الذوق الاستدلالي ، وتواجه في هذا الطريق خطر الضلال والانحراف ، فلم يكلّفها بأكثر
--> ( 1 ) الرعد : 17